الحسين الحقيقي بلا رتوش من ثورة الإصلاح إلى تدجين الطقوس
محنة الفهم في النهضة الحسينية
كاتب المقال : حسين الحلو
توطئة
الى المثقفين
الحقيقيين الذين يعرفون ما يقرأون الذين لا يمرّون فوق السطور عابرين بل يسبرون
غور الكلمات ويصنعون من الوعي نوراً يبدّد الظلام ، إليكم أنتم، يا من تقرأون
بقلوبكم وعقولكم معاً، وتعرفون بحقٍّ ماذا تقرأون ولماذا ، أن تكون قارئاً حقيقياً
اليوم يعني أنك تقاوم السطحية الممنهجة، وتقاوم الاختزال الذي تمارسه منصات
التواصل الاجتماعي، إنها شجاعة أن تخصص ساعات من يومك لتقرأ كتاباً فكرياً او
مقالاً علمياً ، في وقت يطالبك فيه العالم بأن تستهلك كل شيء في ثوانٍ معدودة ، اهديه
لكم.
هل تظن حقاً أن ما
تراه اليوم في شوارع كربلاء والنجف، وبقية أمصار العالم الإسلامي من طقوس وسواد،
وصخب، وسيوف تُضرب بها الرؤوس، ومواكب مليونية تُرفع فيها صور الساسة والفقهاء، هو
ذاته المنهج الذي خرج من أجله الحسين بن علي قبل أربعة عشر قرناً ؟. إذا كانت
إجابتك بنعم، فأنت ضحية لأكبر عملية تزييف وعي وتدجين سياسي شهدها التاريخ
الإسلامي.
في هذا المقال، لن تجد البكاء
التقليدي، ولا الروايات المستهلكة التي تُدِر الدموع وتُغيب العقول، هنا، سنواجه
معاً الحقيقة العارية التي قد تسمعها لأول مرة، الحقيقة التي تكشف كيف تحول ،الحسين
الثائر، الذي استشهد ليقطع دابر الفساد ويهز عروش الطغاة إلى أداة نفوذ ومخدر شعبي
تستخدمه السلطات والأيديولوجيات العابرة للحدود لتثبيت عروشها وتبرير فسادها.
سنغوص في عمق التاريخ لنفكك كيف بدأت
خيوط اللعبة، من مأسسة البويهيين للشعائر كاستعراض قوة، وكرنفالية الفاطميين
لتمرير شرعيتهم، مروراً بـ المنبر الصفوي الذي استورد طقوس آلام المسيح الأوروبية
ليصهرها في قالب طائفي، وصولاً إلى الواقع المعاصر المرير في العراق، حيث تعيد
منظومة ولاية الفقيه في إيران إنتاج الصياغة الصفوية ذاتها، سنكشف بالأدلة كيف جرى
تحويل السيوف المشرعة لضرب الباطل، إلى سيوف لضرب الرؤوس وجلد الذات، وكيف أُستبدل
سيف التغيير والسيادة بأغلال التبعية والخنوع، ليصبح المواطن العراقي مستغرقاً في
مأساة التاريخ، مغمض العينين عن ضياع حاضره وسرقة مستقبله باسم المذهب.
يراد لك أن تبكي تحت رعاية السلطة، لا أن تثور
عليها.. فهل أنت مستعد لتنحية العاطفة جانباً، ومواجهة الحسين الحقيقي بلا رتوش؟.
خروج الحسين اصلاح ام سلطة ؟
قضية خروج الإمام الحسين بن علي (ع) هي إحدى أبرز المحطات التاريخية التي
حظيت بتحليلات وقراءات متعددة بين المؤرخين والمفكرين، وتكشف القراءة المعمقة
للأحداث والخطابات المأثورة عنه عن أبعاد تتجاوز فكرة "طلب السلطة"
بمفهومها التقليدي الدنيوي ، ان الهدف المعلن هو الإصلاح والأمر بالمعروف في
أدبيات الفكر الإسلامي، وخاصة في المأثور عن الإمام الحسين نفسه، يتضح أن المحرك
الأساسي لم يكن السعي وراء مكاسب سياسية شخصية أو سلطوية، بل كان حركة تصحيحية،
ويبرز ذلك جلياً في وصيته الشهيرة لأخيه محمد بن الحنفية حيث قال:
"إني لم أخرج أشراً، ولا بطراً، ولا
مفسداً، ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف
وأنهى عن المنكر..." يرى الفكر
الشيعي أن خروج الإمام الحسين كان استجابة لتكليف إلهي وواجب شرعي لحماية قيم
الدين وصون الأمة من الانحراف بعد تحول الخلافة إلى حكم وراثي ، حسب النظرية
الامامة.
· رفض البيعة
كان
الخروج تعبيراً عن رفض إعطاء الشرعية لسلطة يرى أنها لا تمثل القيم الإسلامية وإقامة الحق ، ان السلطة في هذا المنظور ليست غاية في حد
ذاتها، بل هي وسيلة لإقامة العدل وتطبيق الأحكام الإلهية ، اما من منظور القراءة
التاريخية والسياسية يرى عدد من المؤرخين (من خلفيات ومدارس فكرية متعددة) أن حركة
الحسين كانت ثورة مبدئية ضد واقع سياسي واجتماعي جديد:
· استجابة لرسائل أهل الكوفة، جاء تحرك الحسين نحو العراق بعد تلقيه آلاف الرسائل من أهل
الكوفة يطالبونه بالقدوم ليكون إماماً وقائداً لهم، مما جعل التحرك استجابة لواجب
قيادي وتلبية لنداء جماهيري يطالب بالتغيير.
· التضحية والمآل، طبيعة التحرك، واصطحابه لعياله وأهل بيته، والمعطيات
العسكرية للأحداث تشير إلى أن الحركة كانت ذات طابع رسالي وتوعوي، بهدف هزّ وجدان
الأمة وإيقاظها، وليس زحفاً عسكرياً تقليدياً بهدف الإطاحة بنظام حكم والاستيلاء
على السلطة.
ان تحقيق الإصلاح في منظور حركة الإمام الحسين
لم يكن يعتمد على فرض التغيير بالقوة العسكرية أو استبدال حاكم بآخر فحسب، بل كان
عملية عميقة تهدف إلى إيقاظ الأمة وإعادة صياغة وعيها ، يمكن تلخيص كيفية وجوانب
هذا الإصلاح من خلال المسارات التالية:
1. الإصلاح العقائدي والأخلاقي (إيقاظ الأمة)
كان الواقع السياسي آنذاك قد فرض حالة من
الخنوع والقبول بالأمر الواقع نتيجة الترهيب والترغيب، وجاء الإصلاح هنا عن طريق:
أ- كسر حاجز الخوف ، كانت التضحية
الكبرى بمثابة صدمة إيجابية لضمير الأمة، حيث أثبتت أن المبادئ تستحق التضحية
بأغلى ما يملك الإنسان.
ب- الفرز بين الحق والباطل ، وضع خروج
الإمام الحسين معايير واضحة للمجتمع، مجردة من التبريرات السياسية، ليتميز الخط
الرسالي عن خط المصلحة النفعية.
2. المسار السلمي والاحتجاج العلني
لم يبدأ الإمام
الحسين حركته بقرع طبول الحرب، بل اعتمد آليات إصلاحية متدرجة الامتناع عن إعطاء الشرعية، كان رفض البيعة في المدينة
المنورة أولى خطوات الإصلاح، وهو إعلان صريح بعدم الاعتراف بإنحراف السلطة ، التوعية والحوار، استثمر الإمام الحسين موسم الحج في مكة
المكرمة، والتقى بالوفود والشخصيات من مختلف الأمصار ليشرح لهم أبعاد أزمة الأمة
وضرورة التغيير، إرسال السفراء (مثل مسلم بن عقيل إلى الكوفة) كان خطوة
لتنظيم القواعد الشعبية وتوحيد كلمتهم على رؤية إصلاحية مشتركة.
3. تقديم البديل الشرعي والعادل
الإصلاح يتطلب
نموذجاً يُحتذى به، وقد قدم الإمام الحسين نفسه وأهل بيته كبديل يمثل قيم العدالة،
والزهد، والنزاهة، مستنداً إلى سيرتي جده رسول الله وأبيه علي بن أبي طالب في
الحكم، واللتين قامتا على المساواة بين الرعية وحفظ الحقوق.
4. صناعة لنموذج الرسالي الخالد
عندما
سُدت الطرق السياسية والعسكرية في كربلاء، تحول الإصلاح إلى منهج تاريخي عابر للزمن ، إصلاح بالدم والتضحية
تحولت الفاجعة إلى وقود للثورات اللاحقة (مثل ثورة التوابين وثورة زيد بن علي)،
وأسست لمفهوم "انتصار الدم على السيف".
· تحويل السلوك إلى مدرسة
أصبح
موقف الحسين وأصحابه نموذجاً ملهماً لكل الأجيال اللاحقة في كيفية مواجهة الظلم،
وهو ما يُعرف بـ "الإصلاح بامتداده التاريخي" وليس اللحظي فقط ، ان الإصلاح
في حركة الحسين لم يكن مجرد برنامج سياسي آني، بل كان ثورة ثقافية وأخلاقية
هدفت إلى إحياء قيم العدل والحرية في الأمة، وجعلت من التضحية وسيلة لإبقاء هذه
القيم حية في وجدان الإنسانية.
· شعرة معاوية وسيف يزيد
يمسّ هذا الفرق واحدة من أدق وأعقد
المنعطفات في التاريخ الإسلامي ، وهذه القراءة التحليلية لشخصيتي معاوية بن أبي
سفيان وابنه يزيد، ولطبيعة تعاملهما مع السياسة ومع الحسن والحسين تُظهر فروقاً
جوهرية في الأسلوب والمنهج ، فلو كان يزيد يفكر كمعاوية هل سيقتل الحسين ؟.
لإجابة الأرجح بناءً على سلوك معاوية السياسي وتاريخه هي لا، لو فكره كمعاوية لم يكن ليقتل الحسين بن علي
، والسبب في ذلك لا يعود بالضرورة إلى عاطفة، بل إلى البرغمانية السياسية الشديدة التي تميز بها معاوية. معاوية كان يرفع شعاراً
شهيراً يُمثّل فلسفته في الحكم:
"لو أن
بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، إذا مدوها خليتها وإذا خلوها مددتها".
لقد عاصر معاوية الإمام الحسين
لسنوات طويلة بعد استشهاد الإمام الحسن، ورغم أن الحسين كان يعترض علناً على بعض
سياسات معاوية (خاصة استخلاف يزيد)، إلا أن معاوية تجنب تماماً الصدام الدموي معه.
كان معاوية يدرك جيداً ثلاثة أمور:
1.
المكانة الروحية والنسبية، مكانة الحسين في نفوس المسلمين كونه سبط الرسول ﷺ.
2.
الكلفة السياسية أن قتل شخص بمقام الحسين سيُحدث شرخاً في الأمة
لا يمكن رتقه، وسيزلزل أركان حكمه.
3.
الاحتيال السياسي ، كان يفضل احتواء المعارضين بالمال، أو الحجة، أو
التجاهل الذكي، بدلاً من السيف، ما داموا لم يرفعوا عليه السلاح فعلياً.
بل إن المؤرخين يذكرون أن معاوية ترك وصية لابنه
يزيد يُحذره فيها من دماء الحسين بالذات، ويقول له (يا بني، إني قد كفيتك الرحلة
والترحال، ووطأت لك الأشياء، وذللت لك الأعداء، وأخضعت لك رقاب العرب، وجمعت لك ما
لم يجمعه أحد، وإني لا أتخوف عليك أن ينازعك في هذا الأمر الذي أسسته لك إلا أربعة
نفر من قريش، الحسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن
بن أبي بكر ، أما عبد الله بن عمر فهو رجل قد وقذه الورع والعبادة، وإذا لم يبقَ
غيره بايعك، فدعْه ولا تؤذه ، وأما عبد الرحمن بن أبي بكر فإنه رجل إن رأى أصحابه صنعوا شيئاً صنع مثله،
ليس له همة إلا في النساء واللعب، فدعه ، وأما الحسين بن علي، فإن أهل العراق لن يدعوه حتى يخرجوه، فإن خرج
عليك فظفرت به فاصفح عنه، فإن له رحماً ماسة وحقاً عظيماً وقرابة من رسول الله ﷺ ،
وأما الذي يجثم لك جثوم الأسد، ويروّغك روغان الثعلب، فإذا أمكنته الفرصة وثب،
فذاك عبد الله بن الزبير، فإن فعلها بك فظفرت به فقطعه إرباً إرباً، واحقن
دماء قومك ما استطعت) ، تُظهر هذه الوصية مدى الحنكة السياسية والذكاء والدهاء
الذي عُرف به معاوية بن أبي سفيان، حيث قسّم المعارضين المحتملين لولاية عهده
بناءً على سيكولوجيتهم وتوجهاتهم ، لكن يزيد لم يعمل بهذه الوصية.
يكمن الفرق بين معاوية ويزيد في اختلاف الجيل، واختلاف النشأة، واختلاف
الرؤية السياسية ، فمن اجل تأسيس الدولة جعل خاض معاوية حروباً طويلة للوصول إلى الحكم، ويدرك تماماً قيمة الاستقرار وكلفة الدم ، اما يزيد وُلِد وفي
فمه ملعقة من ذهب، وجاء إلى السلطة عبر التوريث، فلم يختبر كلفة بناء الدولة فه
محب للهو شارب الخمر ملاعب الحيوانات والقرود ، كان معاوية يفضل الدبلوماسية،
والاحتواء، وشراء الولاءات، ولا يلجأ للقوة إلا كملاذ أخير قطعي ، اما يزيد كان
يرى أن هيبة الدولة لا تتحقق إلا بالخضوع التام، واستخدام القوة المفرطة السريعة
لإخماد المعارضة ، كان معاوية يتعامل مع الحسن والحسين بـالحذر الشديد والمهابة؛
يعطيهم عطاءهم، ويتحمل غلظتهم في القول تحسباً لمكانتهم ، والعكس تماماً مع يزيد
تعامل مع الحسين ومعارضيه كـمنافسين سياسيين مباشرين يجب إخضاعهم لسلطته بأي ثمن، دون مراعاة
لخصوصيتهم الدينية، كان معاوية رجل دولة وداهية من الطراز الأول ، يحسب خطواته
بميزان الذهب، ويرى أن الدم يفقد الحاكم هيبته ويخلق ثارات لا تنتهي، أما يزيد،
فقد كان حاكماً شاباً قلقاً على سلطته المستحدثة، افتقر إلى الصبر السياسي والدهاء
الذي تمتع به والده، فاعتمد على لغة القوة والحسم العسكري، مما أدى إلى مأساة
كربلاء التي غيرت مجرى التاريخ الإسلامي للأبد.
ان حياة الإمام الحسين بن علي (ع) كانت سلسلة
من المحطات القاسية والمحن التاريخية الكبرى، ولم تقتصر هذه المحن على واقعة
كربلاء فحسب، بل امتدت طوال عمره الشريف، وشكّلت وجدانه ومنهجه.
· محنة الفتن السياسية ومقتل أبيه الإمام علي (ع)
شهد الإمام الحسين فترة خلافة أبيه بكل ما فيها
من اضطرابات هددت تماسك الأمة ، حروب الجمل وصفين والنهروان،
خاض هذه المعارك إلى جانب أبيه، ورأى كيف تمزقت وحدة المسلمين ، اضف الى فاجعة محراب الكوفة، تلقى الصدمة الكبرى باغتيال أبيه الإمام
علي بن أبي طالب (ع) أثناء الصلاة، وما تلا ذلك من تشتت في معسكر الكوفة.
· محنة الهدنة والصلح (زمن الإمام الحسن)
عاش الإمام الحسين واحدة من أصعب المحن النفسية
والسياسية بعد اضطرار أخيه الحسن (ع) لتوقيع معاهدة الصلح مع معاوية بن أبي سفيان
، التزام العهد رغم مرارة الظرف السياسي، التزم الحسين بالصلح
طوال حياة أخيه الحسن احتراماً لخلافته وحقناً لدماء المسلمين، رغماً عن التحديات
والاستفزازات المستمرة ، مقتل الإمام الحسن قد فُجع الحسين بموت أخيه وشقيقه الأكبر والمساند الأول له، وزاد من مرارة المحنة منع دفنه جوار جده
رسول الله (ص) وما رافق ذلك من توتر ، بعد وفاة الإمام الحسن، صار الحسين إماماً
يقود القاعدة الجماهيرية المعارضة، واشتدت المحن بـعد موت معاوية ، تعرض الى المراقبة والتضييق الدبلوماسي رسائل التهديد والوعيد التي كان
يتلقاها من دمشق من اجل البيعة ،تصفية القيادات الموالية له ،
رأى كيف يُقتل كبار أصحاب أبيه وأخيه (مثل حجر بن عدي وعمرو بن الحمق الخزاعي) دون
قدرة عسكرية على حمايتهم بسبب شروط الصلح.
· المحنة الكبرى: ملحمة كربلاء (عام 61 هـ)
تعتبر الذروة في كتاب المحن الإنسانية
والتاريخية، وتجلت في عدة مستويات ، محنة الغدر والخيانة، بعد
أن بايعته آلاف الرسائل من أهل الكوفة، تبدل الموقف وانقلبوا عليه تحت وطأة
الترهيب والترغيب ، الحصار الشديد وعطش الأطفال منع الماء عن
معسكره لعدة أيام، ورؤية الأطفال والنساء يعانون من الظمأ الشديد وسط الصحراء ، فقد الأحبة والأبناء، رؤيته لأخوته (كأبي الفضل العباس)
وأبنائه (كعلي الأكبر وعبد الله الرضيع) وأصحابه يُقتلون ويُقطعون أمامه واحداً
تلو الآخر ، الأسر والسبي استشهاده وهو يعلم أن نساء بيته وبنات الرسالة
(كالسيدة زينب) سيُسقن أسيرات من الى دمشق .
لم تكن محن الإمام الحسين مجرد مصائب شخصية، بل
كانت اختبارات تاريخية معقدة، واجهها بصلابة مبدئية، جعلت من سيرته نموذجاً في
الصبر والتحمل وتفضيل المصلحة الرسالية العليا على الحسابات الشخصية.
وهنا قد اضع يدي على واحدة من أدقّ وأخطر المحن التي واجهت وتواجه النهضة
الحسينية عبر التاريخ، وهي محنة (تحريف المسار) واختزال الثورة،
فإذا كانت المحن في حياته قد استهدفت جسده الشريف وأصحابه، فإن المحن بعد استشهاده
استهدفت الفكرة والمبدأ الذي قُتل من أجله ، ان هذا التحول من الثورة والتغيير إلى الطقوسية العاطفية البحتة
والخرافة يمكن قراءته وتفكيكه عبر عدة أبعاد تاريخية وسياسية:-
· التوظيف السياسي وتدجين الأمة
على مر العصور، أدركت السلطات (سواء
الأموية، العباسية، البويهية ،الفاطمية ،الصفوية أو حتى الأنظمة اللاحقة ) أن
الروح الثورية الكامنة في مبدأ ( هيهات منا الذلة ) تشكل تهديداً وجودياً لعروشهم،
فالحُسين
كان حبيباً إلى قلوب الناس يتوسمون في وجهه ملامح رسول الله ويعتبرونه ركناً من
أركان الإيمان القائم في القلوب، فلّما قُتِل أخذ الناس يتناقلون خبر مقتله
ويتخذونه سلاحاً معنوياً ضد حكامهم المكروهين ، وتحديدا بعد قيام الثورات العلوية
او ما يسموا بثورات بالطالبيين الذي ثاروا على الظلم كالحسين مثل (زيد بن علي بن الحسين
و يحيى بن زيد بن علي ومحمد النفس الزكية وإبراهيم بن عبد الله شهيد الفخ
وزيد بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق و الكثير من ال البيت) لذلك ، جرى العمل على مسارين:
1-
القمع المباشر لمن يحمل
السيف أو يتبنى الخط الحركي للإصلاح اقتداءً بالحسين .
2-
الاحتواء والتوجيه السماح
بالبكاء وتفريغ الشحنة العاطفية، بشرط أن يظل الحزن حبيس المجالس وألّا يتحول إلى
مشروع سياسي أو اجتماعي يهدد الحاكم، تحول الذكرى هنا من أداة تفجير للثورة إلى
وسيلة تخدير واستسلام للواقع.
ان مأساة التي
قتل فيها الحسين بن علي، قد انتجت آثاراً اجتماعية بالغاً، قلما نجد لها مثيلاً في
التاريخ، ونحن اليوم لا نستطيع ان نتبين آثارها تلك بوضوح، فقد دس المحبون
والمبغضون عواطفهم في تصويرها فأخرجوها عن حقيقتها الاجتماعية الاصيلة الا القليل ،
ان الشيعة في العراق اليوم خامدون لا همة لهم فقد خدّرهم السلاطين، وحوّلوا السيوف
التي كانوا يقاتلون بها الحكام قديماً إلى سلاسل يضربون بها ظهورهم ويجرحون بها
رؤوسهم، ومن يدري فقد يأتي عليهم يوم تتحول فيه هذه السلاسل والحراب إلى سيوف
صارمة من جديد، واني استبعد ذلك الان.
خدر السلاطين الشيعة وادخلوا عليهم
ظواهر وطقوس ضارة وسخفيه ، تعد ظواهر مثل التطبير وإسالة الدماء وإيذاء الجسد من أبرز
الشواهد على هذا التحول الصادم ، يرى الكثير من المفكرين والمصلحين
(أمثال مرتضى مطهري في كتابه الملحمة الحسينية، والسيد
محسن الأمين وغيرهم) أن هذه الممارسات عكست انحرافاً خطيراً واعزوها لعدة اسباب :
- توجيه الغضب نحو الذات بدلاً من
توجيه الغضب ضد الظلم والفساد التاريخي والمعاصر، تحول السلاح والجلد نحو جسد
الموالي نفسه كنوع من التكفير عن ذنب تاريخي لم يقترفه.
- تشويه الصورة الحضارية للحسين اذ تحولت
النهضة التي خرجت من أجل العقل والإصلاح الإنساني الشامل في نظر العالم إلى مظاهر يُساء
فهمها وتوحي بالبدائية، مما صرف الأنظار عن جوهر القضية.
- إغراق القضية بالخرافات والأساطير
لم يسلم التاريخ الحسيني من تغلغل القصاصين
والمبالغات التي حوّلت كربلاء من معركة وعي ومبادئ واضحة إلى ملحمة غيبية أسطورية
لا يمكن الاقتداء بها، قاموا بــ :-
1. نزع البشرية عن الثورة
عندما تُصوّر الشجاعة أو المواقف بأسلوب إعجازي
مبالغ فيه خارج عن القدرة البشرية، يفقد الإنسان المعاصر إمكانية الاقتداء
بالحسين، وتتحول القضية إلى مجرد مأساة تاريخية نبكي عليها، بدلاً من كونها منهجاً
نعيش به.
2. التركيز على المظاهر دون الجوهر
أصبح الاهتمام بـ (كم
بكينا؟) و(كيف لطمنا؟) و (وكم اطعمنا؟) و(كم بذلنا من الاموال) مقدماً على (ماذا غيرنا
في مجتمعاتنا؟) وهل حاربنا الفساد والظلم في واقعنا المعاصر أم لا ، وهل اصلحنا
انفسنا وعملنا على اصلاح المجتمع ام نحن اليوم اخوان الظلمة و أعوان الاثمة ؟.
3. محنة عزل الحسين عن امتداده الإنساني
حصر الحسين في إطار طائفي ضيق وممارسات طقوسية
مغلقة هو حرمان للإنسانية من فكر ثائر حر، الحسين خرج لإصلاح أمة، والمناداة
بالحرية لكل البشر قائلاً (إن لم يكن لكم دين ... فكونوا أحراراً في دنياكم)، تحجيم هذه
الصرخة وتحويلها إلى مجرد مناحة خاصة يفقد الثورة عالميتها فلو قلنا ان العالم
اليوم 10 مليار انسان قد يعرف الحسين منهم 30% فقط ، اما الثورة البلشفية قد يعرفها اكثر من هذا
العدد بكثير ولا وجه للمقارن بينهما ، وخلاصة القول إن محنة
الحسين بعد استشهاده هي (محنة الفهم)، لقد نجح خط التجهيل
والتدجين في تحويل الفلسفة الحسينية من مدرسة تصنع الأحرار الثائرين بوجه الظلم،
إلى طقوس مستغرقة في الحزن الشكلي والخرافة، ولعل الإصلاح الحقيقي اليوم يبدأ من
تنقية هذه النهضة من الشوائب، وإعادة السيف إلى غمده الفكري كأداة لقطع دابر
الفساد والظلم، وليس لإيذاء الذات.
ان المتتبع لخط السير التاريخي يجد أن تحويل الثورة الحسينية من حركة وعي وإصلاح حركي إلى مؤسسة طقوسية وسياسية مرّ
عبر محطات دول وأنظمة وظفت هذا الإرث العاطفي الهائل لخدمة شرعيتها وتثبيت عروشها،
مما ساهم بشكل مباشر في تطويع الفكرة الثورة وتغيير مسارها ، إليك تفكيك دور هذه
الدول والحركات في هذا التحول التاريخي:-
1. الدولة البويهية (334 - 447 هـ) مأسسة الطقوس العلنية
الدولة البويهية (الديالمة) كانت
أول سلطة شيعية نفوذها يمتد إلى بغداد (عاصمة الخلافة العباسية)، وبسبب افتقارهم
للشرعية الدينية الكاملة مقارنة بالخلفاء، لجأوا إلى دغدغة مشاعر القواعد الشعبية
من خلال إعلان الشعائر لأول مرة في عهد معز الدولة البويهي (عام 352
هـ)، صدر أمر رسمي بإغلاق الأسواق في يوم عاشوراء وتعطيل البيع
والشراء،
وتعليق المسوح، وخروج النساء حاسرات يلطمن الوجوه نائحات بوجوه
مسودة وثياب ممزقة في شوارع بغداد، وإقامة مجالس
العزاء في الشوارع ، تم إعلان يوم الثامن عشر من ذي الحجة عيداً
رسمياً (عيد الغدير)، تُضرب فيه الطبول وتُشعل المشاعل في الأسواق ابتهاجاً ، أُضيفت
عبارة حي على خير العمل رسمياً إلى الأذان في بغداد، وترميم وتوسيع وبناء المشاهد
والأضرحة المقدسة لأئمة في العراق ، وشاع بين الناس في عهد البويهيين استخدام تربة الصلاة والمسبحة
المصنوعة من طين كربلاء، والنتيجة تحولت الذكرى من حزن واعٍ يُتداول سراً في البيوت
والمجالس الفكرية إلى مظهر استعراضي عام وظفته الدولة كأداة
لإثبات الوجود السياسي واستعراض القوة النفوذية ضد العباسيين، مما فتح الباب
للمصادمات الطائفية بدلاً من البناء الفكري.
2.
الدولة الفاطمية (297 - 567 هـ) الكرنفالية الدينية
الفاطميون في مصر والمغرب اعتمدوا
على الشرعية الفاطمية ونسبهم، وجعلوا من المناسبات الدينية وسيلة لربط الشعب
بالدولة عبر نمط يمكن تسميته بـ الكرنفالية الدينية، المواكب
الرسمية تحول عاشوراء إلى يوم عطلة رسمية تخرج فيه المواكب بمشاركة الخليفة
والوزراء، وتُوزع فيه الأطعمة والحلوى (الملاط الصامت) ، اما النتيجة أُغرق البُعد الثوري للحسين في تفاصيل تنظيمية
ومظهرية حكومية، أصبح الحزن بروتوكولاً سلطوياً يفقد قيمته التغييرية، فالدولة
المستقرة لا تريد من الجماهير أن تستلهم من الحسين روح الثورة على الحاكم، بل تريد
منهم البكاء تحت مظلة الحاكم وما اشبه تلك الايم بعراق اليوم .
3.
حركة الحشاشين (النزيرية الإسماعيلية) تطرف السيف وغياب
المبدأ
إذا كان البويهيون والفاطميون قد ركزوا على
الجانب الطقسي، فإن حركة الحشاشين بقيادة حسن الصباح ذهبت بالجانب الحركي إلى
متطرفٍ مغاير تماماً فقد استخدموا الاغتيال السياسي كوسيلة وحيدة
بدلاً من فكرة الحسين في التوعية الجماهيرية والإصلاح الشامل للأمة، اعتمد
الحشاشون على خلايا سرية (الفدائيين) لتنفيذ اغتيالات لقادة سياسيين وعسكريين ،
فقد شوهت هذه الحركة مفهوم المقاومة أو الثورة، فلم يعد التحرك الحسيني مبنياً على
كشف الباطل وإيقاظ وعي الأمة، بل تحول إلى عمليات عنف سري وتصفيات جسدية، مما أعطى
الأنظمة الحاكمة المبرر لقمع أي تحرك إصلاحي ووصفه بالإرهاب والخروج عن الجماعة.
4.
الدولة الصفوية
(907 - 1148 هـ) المأسسة الشاملة وإدخال "الطقوس الدخيلة"
الدولة الصفوية في إيران تمثل المحطة الأخطر
والأعمق أثراً في تحوير المنهج الحسيني، وهي تجسد تماماً ما وصفته سابقاً بـ
"تحويل السيوف من ضرب الباطل إلى ضرب الرؤوس"، فقد فرض المذهب كأداة جيوسياسية، استخدم الصفويون التشيع كـ هوية
قومية وسياسية لمواجهة المد العثماني المستند إلى الخلافة السنية، ولتحقيق التعبئة
الشعبية، كان لا بد من شحن العواطف الحسينية إلى أقصى مدى، استيراد طقوس غريبة في العهد الصفوي، وبسبب الاحتكاك بأوروبا
المسيحية (عبر السفارات والحروب ضد العثمانيين)، استعارت الدولة طقوس المسرحيات
التشابهية (الشبيه) وجلد الظهر بالسلاسل وإسالة الدماء (وهي طقوس كانت مستخدمة في
الكنيسة القروسطية في ذكرى آلام المسيح) وصهرتها داخل القالب الشيعي ، ظهور المنبر الصفوي تحول خطيب المنبر من موجّه يربط المجتمع
بقيم العدالة والحرية، إلى مبكي يركز حصراً على التفاصيل المأساوية، واختراع
روايات خرافية مبالغ فيها لإثارة الدموع، وتكريس مفهوم الشفاعة الأخروية بالبكاء
فقط، بمعزل عن السلوك والعمل، عمل
الشاه إسماعيل الصفوي والملوك من بعده إحياء ذكرى مقتل الإمام الحسين، وأصبحت
مجالس العزاء، ولطم الصدور، والمواكب الحسينية تمارس بشكل علني ومنظم في الساحات
والأسواق بدعم مباشر من السلطة ، قام الصفويون بتوسيع وزخرفة الأضرحة والمزارات في
كل من إيران والعراق، على سبيل المثال، قام الشاه عباس الأول بتعمير مرقد الإمام
الرضا في مدينة مشهد وطلاء قبته بالذهب، كما شجع الإيرانيين على زيارته بدلاً من
الوجهات التقليدية من خلال بناء القوافل واستراحة المسافرين ، شكل فقهاء تلك المرحلة، مثل
المحقق الكركي، نواة لتقنين ومأسسة هذه الشعائر وفق الفقه الشيعي الاثني عشري، مما
أعطى للطقوس طابعاً رسمياً وإجماعياً في المجتمع .
شهدت المرحلة
الصفوية المتأخرة قفزة كبرى في مأسسة الطقوس الشيعية وتحويلها إلى ركيزة أساسية
للدولة، وكان للعلامة محمد باقر المجلسي ووظيفة وزير الشعائر دور مفصلي في ذلك،
بينما كلف التحول المذهبي الشامل في بداية الدولة دماءً غزيرة قدّرها بعض المؤرخين
بعشرات الآلاف وقد تصل إلى مئات الآلاف نتيجة لسياسة الفرض القسري لهذه الطقوس
الجديدة، وتمثل دور محمد باقر المجلسي في مأسسة الطقوس
بالآتي
1.
صياغة
الفقه الشعائري الشعبية
ألّف المجلسي
موسوعته الضخمة (بحار الأنوار) وكتابه (زاد المعاد)، حيث ركّز بشكل مكثف على تدوين
أحاديث (الزيارات) وأدعية ومستحبات الأيام والشهور، مما جعل الطقوس جزءاً من
الأدبيات الدينية اليومية للمواطن.
2.
محاربة
التصوف والفلسفة
قاد حملة شرسة
لتطهير التشيّع من الحركات الصوفية والفلسفية، وحصر الممارسة الدينية الرسمية في
الطقوس والمظاهر الفقهية والحديثية التي ترعاها الدولة.
3.
تأصيل
العلاقة بين الدولة والمهدي
روّج لفكرة أن
الدولة الصفوية هي الممهدة لظهور الإمام المهدي، مبرراً بذلك الطاعة المطلقة
للسلاطين.
وزير الشعائر (جلب الطقوس وعولمتها)
مع صعود الشاه
عباس الكبير، استحدثت الدولة منصب (وزير الشعائر الحسينية) لإدارة المواكب وتنظيم الاحتفالات وتوجيه الدعم
المالي لها ، يشير المفكر والمؤرخ علي شريعتي في كتابه (التشيع العلوي والتشيع
الصفوي) إلى أن وزير الشعائر الصفوي زار أوروبا الشرقية
واطلع على المراسيم والطقوس المسيحية المخصصة لإحياء ذكرى آلام المسيح والقديسين ،
تطوير أدوات العزاء اقتبس الوزير من تلك المسيرات الأوروبية أدوات
العزاء مثل (الزنجيل والسلاسل، والنعوش الرمزية، والأقواس الحديدية
"العلامات")، وتم تعديلها وتطويعها داخل المجالس الدينية بالتنسيق مع
بعض وعاظ السلاطين لتصبح من صلب الطقوس العاشورائية.
كلفة
التحول المذهبي من الدماء
اتسمت عملية
تحويل إيران من الأغلبية السنية إلى المذهب الشيعي الإثني عشري -التي قادها الشاه
إسماعيل الأول عام 1501م- بعنف شديد وقسوة بالغة ، وكان
حجم الضحايا كثر تذكر المصادر التاريخية (مثل "تاريخ شاه
إسماعيل" ومؤلفات المؤرخين المعاصرين لتلك الحقبة) أن حملات الفرض القسري
للتشيّع في مدن مثل تبريز، وشيروان، وبغداد، وهراة، أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف من
الرافضين للتحول، وتذهب بعض المبالغات التاريخية أو التقديرات الفضفاضة إلى رقم
مليون قتيل على مدار عقود لتأسيس الدولة، وإن كان الرقم يصعب توثيقه إحصائياً بدقة
، استخدام أساليب القمع والتهجير شملت الإجراءات هدم مساجد ومقابر لرموز السنة
(مثل أبي حنيفة النعمان في بغداد)، ونبش القبور، وإجبار الخطباء على لعن الرموز
التاريخية على المنابر(كالصحابة)، مما دفع مئات العلماء وهجرات جماعية للسنة إلى الهروب نحو
الدولة العثمانية أو الهند.
ان تكريس الجهل المقدس والخرافات المستحدثة لم يقتصر الأمر على الطقوس القديمة، بل جرى دعم وتشجيع طقوس وممارسات أكثر غرابة ومثيرة للجدل (مثل المشي على الزجاج، والزحف لمسافات طويلة، والتمثيل المبالغ فيه الذي يسيء لكرامة الإنسان) ، ان الهدف من هذا الدعم تجهيل القواعد الشعبية وإشغالها بالشكليات فالإنسان المستغرق في عاطفة غير واعية والمنشغل بإيذاء جسده أو الغرق في تفاصيل خرافية، هو إنسان يسهل قياده سياسياً، ولا يملك فائضاً من الوعي ليسأل "أين أموال البلد؟ وأين السيادة؟ وأين قيم العدالة الحسينية في واقعنا؟، يرى المفكر الفرنسي غوستاف لوبون ان الشعوب المتدينة لا تشعر بتأنيب الضمير عندما تقترف أو ترتكب خطأً أخلاقياً أو قانونياً، لأنها نشأت على أن العبادات تمحو الذنوب ، يرى الفيلسوف ابن رشد ان التجارة بالأديان هي التجارة الرائجة في المجتمعات التي ينتشر فيها الجهل، فإذا أردت إقناع جاهل بفكرة ما فما عليك سوى أن تغلف كل باطل بغلاف ديني فيبدو له وكأنه حق..الحسن ما حسنه العقل والقبيح ما قبحه العقل ، قد يستغرب البعض هنالك اشخاص يمارسون بعض العقائد الضرارة والسخيفة وقد يكون (طبيبا او مهندسا او معلما او محامياً ) لكنه منخرط في هكذا افعال فهو يمشي مع القطيع كل المثل الدارج (حشرُ مع الناس عيد) وهذا تحديداً ما يسمى بسيكولوجية الجماهير اذ يتلاشى وعي الفرد المستقل ويذوب تفكيره في "العقل الجمعي" للحشد، و يتغير سلوك الفرد عندما يندمج داخل الجماعة، حيث يسيطر عليها التسرع، والعاطفة المتطرفة، والانقياد الأعمى للزعماء ، اضف الى ذلك ان الفرد المنخرط في الجمهور والجماعات يقترب كثيراً من الانسان البدائي ، اذ يتقبل الأفكار التي تُطرح بأسلوب التكرار المستمر والمبالغة المطلقة دون الحاجة لإثبات أو دليل.
وفي المحصلة هذه الدول لم تكن جمعيات خيرية لنشر
الفكر الحسيني، بل كانت كيانات سياسية تبحث عن البقاء، لقد أدركت أن الحسين الثائر خطر عليها وعلى استقرارها، بينما الحسين المأساة هو أفضل أداة للسيطرة على العوام وتوجيه
طاقاتهم نحو جلد الذات بدلاً من محاسبة السلطة ، ان هذا التراكم التاريخي الذي
يمتد لمئات السنين هو الذي أنتج الواقع الذي نراه اليوم، حيث تحتاج الأمة إلى ثورة
فكرية ثانية لتحرير الحسين من القيود التي كبلته بها السياسة وصنعتها الدول.
الخلاصة
في نهاية المطاف،
يكشف لنا السير التاريخي كيف حوّلت السياسة الحسين الثائر إلى حسين المأساة لخدمة
عروشٍ تبحث عن البقاء على حساب وعي الشعوب، وإن الممارسات الدخيلة والخرافات التي
أُلبست للنهضة الحسينية لم تكن إلا أدوات لتوجيه الغضب نحو الذات بدلاً من الحكام
الفاسدين، لن يعود الحسين إلى امتداده الإنساني العالمي إلا إذا تنقّت قضيته من
شوائب التجهيل المقدس، لتتحول من مناحة طقسية مغلقة، إلى مدرسة حية تصنع الإنسان
الحر، وتدفع المجتمع لمحاربة الفساد والظلم في واقعه المعاص، فساسة العراق اليوم
يبكون على الحسين في مجلس التعزية ثم لا يباليون بعد ذلك أن يسيرو في الناس سيرة
يزيد ، إن تحرير النهضة الحسينية اليوم من قيود الطقوسية والتجييش السياسي ليس
مجرد ترف فكري، بل هو ضرورة حتمية لاسترداد حاضرنا وضمان مستقبلنا، لقد خرج الحسين
ثائراً مصلحاً ليصنع أحراراً يواجهون الفساد، ولم يخرج لتُصنع باسمه أغلال التبعية
وجلد الذات، إن مواجهة الحسين الحقيقي بلا رتوش هي الخطوة الأولى نحو ثورة فكرية
شاملة، تعيد السيف إلى غمده الأصيل كأداة لقطع دابر الظلم، وتُحيل الوعي إلى نور
يبدد ظلمات التجهيل والتدجين؛ فهل نحن مستعدون لأن نكون العقول الحقيقية التي تبصر
الجوهر، وتترك القشور للعاكفين على عروشهم ، وهل نحن مستعدون لتحقيق مجتمع
ديمقراطي في عراق متطور، بإعلاء قيم العدالة ومكافحة الفساد،
وترسيخ سيادة القانون وصون كرامة وحريات المواطنين.

مقال مهم جداً يعكس الوي في التأريخ والتحليل الذكي له
ردحذفإرسال تعليق