تحطيم
القيود الفكرية، كيف تتخلص من الانغلاق
المعرفي
كاتب المقال : حسين الحلو
مقدمة:
سجن العقل الاختياري
هل تساءلت يوماً
لماذا يستميت البعض في الدفاع عن أفكارهم حتى وإن ثبت بطلانها بالدليل القاطع؟ في
الواقع، نحن لا نعيش في عالم تملؤه الحقائق بقدر ما نعيش في عوالم تصنعها قناعاتنا
الخاصة. خلف هذا التمسك الأعمى يختبئ وحش صامت يُدعى "الانغلاق
المعرفي"؛ وهو تلك الحالة النفسية والفكرية التي تجعل الإنسان يكتفي بما
يعرف، ويغلق نوافذ عقله أمام أي فكرة جديدة قد تزعزع استقراره الذهني أو تضطره
لإعادة النظر في مسلماته.
إن العقل المغلق
يشبه تماماً الغرفة المظلمة؛ قد تمنح صاحبها شعوراً زائفاً بالأمان والراحة، لكنها
في الوقت ذاته تحرمه من رؤية نور الحقيقة وتطورات الحياة من حوله. هذا الجمود لا
يقف عند حدود القناعات الشخصية فحسب، بل يتحول إلى قيد حقيقي يعيق الإبداع، ويدمر
مرونة التفكير، ويخلق فجوات عميقة في علاقاتنا الإنسانية والاجتماعية.
في هذه المقالة،
لن نكتفي بتشخيص هذا المرض الفكري، بل سنخوض رحلة واعية نحو تحطيم القيود الفكرية، سنكتشف معاً كيف
يتسلل الانغلاق المعرفي إلى عقولنا دون أن نشعر، وما هي الأدوات العملية والخطوات
النفسية التي تمكننا من فتح أقفال هذا السجن، لنعبر نحو أفق أرحب من المرونة
العقلية والوعي المتجدد.
مفهوم الانغلاق المعرفي(Cognitive Closure)
مصطلح صاغه عالم
النفس الاجتماعي آري كروغلانسكي (Arie Kruglanski)؛ وهو الميل البشري إلى النفور من الغموض والرغبة في الحصول على
إجابات حازمة لسؤال يدور في الذهن،قد يقع البعض في الأخطاء بسبب الميل إلى تحقيق
الإغلاق المعرفي متصورين أن ذلك يعود عليهم بفوائد، إذ يرى البعض أن الحصول على
الإجابات الحازمة لأي موضوع تعزز القدرة على التنبؤ في المجال أو تشكل أساساً
للأعمال اللاحقة في المجال نفسه، كما أن البعض يعتقد بأن الإغلاق المعرفي يساعدهم
على تلافي أي خسائر قد تنشأ عن عدم الحصول على إجابة قطعية لأمر والتأخر في اتخاذ
قرار بخصوصه ، ان ضرورة النظر في طبيعة المعرفة البشرية حتى نستطيع حل مشكلة العقل
والجسد، حيث إن الصعوبة التي نواجهها تأتي من القيود البنيوية على قدراتنا في
الفهم لذلك وجب البدء بفحص عام للمعرفة البشرية ومجالها وحدودها، ومن ثم دراسة
العلاقة بين العقل والمخ وطبيعة الحالات الواعية واللاواعية للعقل الإنساني (عبد
الناصر ، 2021 : 361).
يشير مصطلح
"الإنغلاق المعرفي" إلى الانحصار في الفكر أو العقيدة، والتمسك بمعتقدات
محددة دون قبول الآراء أو المعتقدات الأخرى، وبصورة عامة، فإن الإغلاق المعرفي
يتحدث عن توقف النمو الفكري والمعرفي والثقافي لأفراد أو مجموعات معينة. وفيما
يلي، سنقدم إطارًا نظريًا كاملاً لموضوع الإغلاق المعرفي ، ويری روكش Rokeach أن الانغلاق
المعرفي هو تكوين معرفي للأفكار والمعتقدات المنظمة في نسق مغلق نسبيا ويتمثل في
طريقة التفكير والسلوك والتي يمكن أن تظهر مع أية ايدولوجيه بغض النظر عن مضمونها،
وهو مرادف لمفهوم الجزميه من وجهة نظر روكش إذ تتمثل الجزمية في نظرة متسلطة
للحياة وفي عدم التسامح إزاء المعتقدات المتعارضة والتسامح مع المعتقدات المشابهة
لما يعتقده الشخص (تركي ، 1980 : 330).
وقد حدد روكش تقسيما للمعتقدات حسب درجة مركزيتها أو أهميتها إذ وضع محددات
لتصنيف المعتقدات مفترضا أن المعتقدات المهمة هي التي تقترب من مركز الدائرة وتقل
أهميتها بالابتعاد عن المركز وقسمها إلى ثلاثة أقسام رئيسة هي:
١ - المنطقة المركزية : وتتضمن معتقدات الفرد عن ذاته
وعن الآخرين .
٢ - المنطقة الوسطى : وهذه تتصل بطبيعة السلطة بنوعيها
السلبي والايجابي ويعتمد على الفرد في رسم توقعاته عن العالم الذي يعيش فيه وتشمل
نوعين من المعتقدات (معتقدات عن السلطة، ومعتقدات عن الناس وهي مشتقة عن السلطة).
3- المنطقة الهامشية : وتشمل المعتقدات التي نقبلها
لأنها مشتقة من مصدر موثوق به ولا تأتي من خلال الخبرة المباشرة كما تضم كلا من
المعتقدات واللامعتقدات غير الأولية المنبثقة عن السلطة بنوعيها الايجابي والسلبي
دون اعتبار فيما إذا كانت هذه المعتقدات مدركة شعوريا أو غير مدركه من الفرد ذاته،
لذلك فان الصلات البنائية بين المناطق الثلاثة هي التي تكون الخصائص التكاملية
الكلية المنتظمة فما يميز المنطقة المركزية سيؤثر في المنطقة الوسطى وما يميز هذه
سيؤثر في المنطقة الهامشية (جبار ، 2008 : 234).
أسباب الانغلاق المعرفي
إن أسباب الانغلاق المعرفي كثيرة نلخصها في النقاط التالية :
1. إفتقاد الوعي اللازم لمعايشة الحياة ومواكبتها.
2. عدم تحمل المسؤولية واللامبالاة لأن التفكير
والتجدد يفرضان على الإنسان مسؤوليات متعددة خاصة عندما يواجه مجتمعا سيطرت عليه
الكثير من الأفكار الجامدة.
3. الخوف من الجديد ، وما يأتي من تطورات ، فالقديم يستأنس به الإنسان
ويعرف حدوده ومعانيه ، أما الجديد فإنه يتطلب طاقات فكرية وإجتهاد، والسعي في هذه
الأمور يرهق العقل الذي تعود على التراخي والكسل والأفكار الجاهزة .
4. الترف الفكري وهو يحدث عندما يعجز الإنسان عن حل المشكلات التي يواجهها
عن طريق العقل (الفكر) أو يخاف لظروف سياسية ، أو إجتماعية ، أو إقتصادية أن
يواجهها ، لذلك نراه يلجأ إلى الترف الفكري الذي يحوي الكثير من الضبابية ،
والهروب من الواقع إلى عالم لا مسؤوليات فيه.
5. ضعف البصيرة بحقيقة الدين، وضيق الأفق في التفكير، وخفة الموازين في
العلم مما يجعل الفرد يعتقد أنه حاز العلم بمقوماته كلها.
6 .قلة الخبرة بواقع الحياة ،
والعلم بالتأريخ ، وسنن الله في خلقه ، فتفهم الوقائع على غير حقيقتها، وتفسر وفق
أوهام وخيالات لا أساس لها .
7. العادات والتقاليد الموروثه من
ملايين السنين ، وحالة الإستبداد السياسي والتي حاصرت العقل المسلم وجمدت حركته عن
العمل ، والإنتاج ، و التوسع في فقه الفرد على حساب فقه الأمة.
8. إهمال فقه المقاصد وعلوم فلسفة التشريع ، والتى تمثل الباب الأساسي
للنظر والاجتهاد وإنتاج الأحكام والأفكار المتجددة ، الخلط النص المقدس وآراء السابقين
، وتقديس التراث والتقليد الخلفى للتراث والموازى للآخر.
9. سيطرة الدراسات التقليدية فى الأصول وتطبيقاتها في علوم الشريعة فقط على
حساب بقية علوم الحياة الإنسانية والكونية على حد السواء.
10. الصراعات البينية الهشة بين العلماء والفقهاء ، والإحساس الداخلي لدى
البعض بالإنهزام ، وتوقف الطموح (سركز واخرون ، 2020 : 237-238).
السمات الشخصية للانغلاق معرفياً
1- شارد الذهن ومشتت الافكار يؤمن بالاوهام وتنتابه نوبات من الغضب والتوتر
والقلق، هش الثقافة قليل .
2- اهمال الاشخاص الآخرين بسبب معتقداتهم التي يؤمنون بها، وتكوين معتقدات
متناقضة ومقاومة للتغيير والنظر الى المجالات الجدلية على انها ابيض واسود فقط
سلامة.
3- انعدام الامن والنظرة الى
العالم على انه مكان موحش والخضوع والانتماء الصارم للجماعة التي استقى منها
افكاره.
4 - الميل للاعتقاد بمحددات خرافية مع اعطاء انطباعا بان لديه جوابا لكل
سؤال.
5- التقبل المطلق للمواضيع او الرفض المطلق لها وعدم تحمله للغموض
والاستجابة الغير الملائمة في المواقف الجديدة، اذ يتمسك بانماط سلوكية محددة .
6- لا تتواجد لديه نية لتغيير وجهات نظره مع انه يعرف ما هو حقيقي وما هو
زائف وبالتالي يعتمد على تفسير الخبرة كما لو كانت تتطابق دائما مع ما يعتقده .
7- يتسم بقلة الكفاءة الانتاجية وضعف التخيل والعجز عن فهم العلاقات
المعقدة والميل الى ترك المجال عند تأزم الامور.
8- يتمسك بانماط فكرية محددة يواجه بها المواقف مهما تنوعت واختلفت
(الخالدي، 2002: 30).
العوامل المؤثرة
في الإغلاق المعرفي: تتأثر الأفراد بعوامل مختلفة تؤدي إلى الإغلاق المعرفي،
ومن بين هذه العوامل:
1.
الخوف من الجديد
أو الغريب
2.
الحاجة إلى
الشعور بالأمان والاستقرار
3.
التعصب الديني
أو السياسي
4.
الحاجة إلى
الانتماء إلى مجموعة معينة
5.
التربية والتعليم
والبيئة الاجتماعية
آثار الإغلاق
المعرفي: يتسبب الإغلاق المعرفي في العديد من الآثار السلبية على
المستوى الفردي والجماعي، ومن بين هذه الآثار:
1.
قد يؤدي الإغلاق
المعرفي إلى العزلة وفقدان الاتصال الاجتماعي
2.
يتسبب الإغلاق
المعرفي في عدم القدرة على تقبل وجهات النظر والآراء الأخرى، مما يؤدي إلى تفاقم
الصراعات والاختلافات
3.
يمكن أن يؤدي
الإغلاق المعرفي إلى تشكيل مجموعات متطرفة وخطرة على المجتمع.
لذلك نجد أن
الاشخاص الذين منغلقين معرفياً ، ويرفضون التفاعل والمشاركة مع ابناء الجماعات
الدينية الأخرى مثلاً وعدم التبادل المعرفة في ما بينهم، ويميلون نحو الطاعة
المطلقة لأوامر ،جماعتهم، والالتزام بالحكم
المطلق نحو القضايا الدينية، ومحاولة تعميمها نحو جميع المواقف والكيفيات
البيئية، وبذلك يقلل المنغلقين من أهمية الجماعات الأخرى، المناظرة لهم واعطائها
منزلة اجتماعية متدنية، ويوجهون عقوبات تأديبية نحو المنشقين عنهم ( 64 : Duckitt, 1989 ).
العوامل
المساهمة في الإغلاق المعرفي: هناك العديد من العوامل التي تساهم في حدوث الإغلاق
المعرفي، ومنها:
1.
الانغماس في
الثقافة والمعتقدات الخاصة، وعدم الانفتاح على ثقافات وآراء وخلفيات مختلفة
2.
الانفصال عن
المجتمعات والأصدقاء والأسرة، وعدم التفاعل معهم
3.
الإدمان على
وسائل التواصل الاجتماعي والترفيهية، وقضاء الوقت بشكل غير منتج وغير صحي.
4.
الركون إلى
الراحة وعدم الاستمرار في التحدي والتعلم والتطور
5.
الاهتمام الزائد
بالأمور اليومية والتفكير بشكل ضيق دون النظر إلى المستقبل والتحديات الكبيرة. وإلى تجاهلهم
للإنفعالات الأصلية التى كانت تصاحب تلك المهام في صورتها الأولى قبل تبسيطهم لها
بهذا الشكل، فيعتمدون على أول حل يرد إلى عقولهم لتلك المهام ( عبد ربه ، ٢٠٢٠ : ٦٤ ).
مراحل الإغلاق
المعرفي
ينقسم الإغلاق
المعرفي إلى مرحلتين هما:
مرحلة
الاستيلاء (Seizing): وفي هذه المرحلة تستولي على الفرد رغبة عارمة بالوصول إلى
الإجابة.
مرحلة
التجميد (Freezing): وهي مرحلة البقاء عند المعلومات التي توافق وجهة النظر
وتدعمها.
علاقة الانغلاق المعرفي في الدين
يرتبط
مفهوم الانغلاق المعرفي بالدين ارتباطاً وثيقاً ومعقداً؛ فالأديان بطبيعتها تقدم
منظومة متكاملة من القيم، المبادئ، والإجابات عن الأسئلة الوجودية الكبرى. هذا
اليقين الذي يمنحه الدين يمثل حاجة نفسية أساسية للإنسان، لكن الأزمة تظهر عندما
يتحول هذا اليقين من "طمأنينة إيمانية" إلى "أداة سيكولوجية"
للهروب من التفكير أو إقصاء الآخر ، إليك تفكيكاً لطبيعة هذه العلاقة من جوانب
مختلفة:
1. البحث عن اليقين وسد الفجوات المعرفية
من الناحية النفسية، يتميز الأشخاص الذين لديهم نزوع عالٍ
نحو الانغلاق المعرفي بـ "الحاجة إلى الحسم" (Need for
Closure)، أي أنهم يكرهون الغموض والالتباس ويفضلون
الإجابات القاطعة والسريعة. النصوص الدينية المحكمة تقدم إجابات واضحة ومباشرة عن
الموت، الحياة، الخير، والشر. بالنسبة للشخص المنغلق معرفياً، يصبح الدين وسيلة
مثالية للتخلص من قلق البحث والشك، فيتشبث بالتفسيرات الجاهزة والأحادية ليريح
عقله من عناء التفكير والتحليل.
2. الخلط بين ثبات
"النص" ومرونة "الفهم"
تحدث المشكلة الكبرى عندما لا يفرق المؤمن بين النص
الديني المقدس (وهو ثابت) وبين الفهم البشري والنقاش الفقهي (وهو متغير ومرن).
·
في الدين المنفتح: يُنظر
إلى النص كأرضية خصبة للاجتهاد، التدبر، وإعمال العقل تماشياً مع تغير العصور
(وهذا أصل التجديد الفقهي).
·
في الانغلاق المعرفي: يُعامل
الفهم البشري الضيق أو التفسير التاريخي لفقيه معين وكأنه نص مقدس لا يجوز نقاشه.
هنا يُقفل العقل تماماً، ويصبح أي رأي آخر، حتى وإن كان من داخل المنظومة الدينية
نفسها، بمثابة تهديد للإيمان.
3. ثنائية "الأبيض
والأسود" (الاستقطاب الديني)
يتسم الفكر المنغلق معرفياً بالعجز عن رؤية المساحات
الرمادية أو التعددية؛ فالعالم عنده مقسم بصرامة إلى:
·
حق مطلق
مقابل باطل مطلق.
·
مؤمن
مقابل كافر.
·
ناجٍ
مقابل هالك.
هذا التقسيم الحاد يمنح المنغلق شعوراً زائفاً بالتفوق
الأخلاقي والروحي، ويجعله يرفض بالفطرة الاستماع إلى أي حجة تخالف مذهبه أو دينه،
لأن مجرد الاستماع قد يعني "تلوث" نقائه الفكري.
4. التدين الشكلي
(الدفاعي) ضد التدين الواعي
يفسر علم النفس الديني الانغلاق من خلال نوعين من التدين:
·
التدين
الخارجي السطحي: حيث يُستخدم الدين كدرع اجتماعي أو وسيلة للشعور بالأمان
والاندماج مع الجماعة، هذا النوع يتغذى على الانغلاق المعرفي؛ فالطقوس والمظاهر
أهم من الجوهر، وأي تساؤل يُعتبر وسواساً أو ضعفاً في العقيدة.
·
التدين
الداخلي العميق: حيث يكون الدين نابعاً من تجربة روحية وعقلية واعية، هذا
النمط لا يخشى الأسئلة، بل يرى في التدبر والبحث وسيلة لتعميق الإيمان، وبالتالي
يكون صاحبه أكثر انفتاحاً ومرونة في تقبل الاختلاف.
كيف
نتحرر من الانغلاق المعرفي دون المساس بالثوابت الدينية؟
التحرر
لا يعني التخلي عن الإيمان، بل يعني الانتقال من "التبعية العمياء" إلى
"اليقين الواعي" عبر خطوات محددة:
·
إحياء
فريضة التدبر: القرآن الكريم، على سبيل المثال، يذم في مواضع كثيرة
التقليد الأعمى للآباء ("إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ")،
ويدعو للتفكر والنظر بعبارات مثل ("أَفَلَا تَعْقِلُونَ")، و("أَفَلَا
يَتَدَبَّرُونَ"). الانفتاح المعرفي هو في الأصل دعوة دينية.
·
القبول
بالاختلاف كأصل كوني: إدراك أن تعدد
الشرائع، الأفكار، والمذاهب هو مشيئة إلهية لتكامل البشر وسعيهم ("وَلَوْ
شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ
مُخْتَلِفِينَ").
·
التفريق
بين الدين والتدين: الدين إلهي
كامل، أما التدين فهو ممارسة بشرية قاصرة تحتمل الصواب والخطأ، ونقد الممارسة أو
الفهم لا يعني نقد الدين نفسه .
واني ارى أن الانغلاق المعرفي في الجانب الديني سببه غياب
التعليم والوعي، وهو ناتج عن شحن وتوجيه من المؤسسات والخطابات الدينية التقليدية
التي تخدم السطلة والتبعية للغير .
اثر الروايات
الكاذبة في الادنان على الانغلاق
تلعب الروايات الكاذبة، الأحاديث الموضوعة، دوراً خطيراً في تعزيز الانغلاق المعرفي وتوجيهه؛ بل إنها تتحول أحياناً إلى "ترسانة فكرية" تُستخدم لإغلاق العقول وتحصينها ضد أي نقد أو تجديد.
عندما تُصبغ الرواية المكذوبة بصبغة "القداسة"،
فإنها لا تعود مجرد كذبة عابرة، بل تصبح قيداً ذهنياً يصعب الفكاك منه. إليك كيف
تؤثر هذه الروايات في ترسيخ الانغلاق المعرفي داخل المنظومة الدينية:
1. إعطاء "شرعية
إلهية" لمعاداة العقل والعلم
كثير من الروايات الكاذبة والموضوعة صُنعت خصيصاً لمواجهة
حركات التجديد أو الأفكار الفلسفية والعلمية في فترات التاريخ المختلفة ، كما تُنسب
العبارة الشهيرة تاريخياً إلى الإمام ابن الصلاح احد فقهاء الشافعية حين قال (مَنْ
تَمَنْطَقَ فَقَدْ تَزَنْدَقَ) ، قال هذه العبارة في سياق موقف حذر وصارم اتخاذه
مجموعة من علماء الدين في القرون الوسطى تجاه علوم الفلسفة والمنطق اليوناني التي
تُرجمت إلى العربية مما جعل البعض يفسر الدين على أسس المنطق والفلسفة .
اما الأثر،
عندما يسمع الشخص المنغلق رواية (مكذوبة) تحث على ترك السؤال، أو تذم إعمال العقل،
أو تربط بين العلم الدنيوي والضلال، فإنه يجد مبرراً دينياً لجهله. يتحول الانغلاق
هنا من "قصور معرفي" إلى "فضيلة إيمانية" يُثاب عليها المرء
في ظنه.
2. تغذية فكر المؤامرة
والشعور بالاستهداف المستمر
تعتمد الروايات الكاذبة غالباً على التهويل وصناعة أعداء
وهميين، وتصوير العالم الخارجي بأنه "شيطاني" يسعى ليل نهار لهدم الدين
، والأثر من ذلك الشحن المستمر يرفع لدى الفرد ما يُعرف نفسياً بـ "الدفاعية
المعرفية". يصبح العقل في حالة استنفار دائم؛ وأي فكرة جديدة، أو مذهب مغاير،
أو اكتشاف علمي لا يبدو متوافقاً مع موروثه، يُصنف فوراً على أنه "مؤامرة
لتشكيكه في دينه"، مما يدفعه لإغلاق عقله تماماً لحماية نفسه.
3. تقديس "الأشخاص" على حساب
"المنهج"
تروج بعض الروايات لصفات إعجازية أو عصمة عملية لبعض
الشيوخ، الرواة، أو الشخصيات التاريخية، واضعة إياهم في مرتبة فوق النقد ،يؤدي هذا
إلى جمود فكري حاد؛ فالشخص المنغلق لا يعود قادراً على مناقشة الفكرة بذاتها، بل
يكتفي بمعرفة "مَن قالها". فإذا انتقد أحدٌ قولاً لفقيه قديم (حتى وإن
كان النقد علمياً وأدبياً)، يثور المنغلق معرفياً لأن الروايات الشفوية التي تشبع
بها جعلته يخلط بين احترام العلماء وبين تقديس آرائهم البشرية.
4. تكريس النظرة الأحادية وإلغاء التعددية
كثير من الروايات الموضوعة تم وضعها في عصور الفتن
السياسية والمذهبية لتكفير المخالف أو إخراجه من الملة (مثل الروايات التي تفصل في
"الفرقة الناجية" بطريقة تقصي الجميع وتجعل الحق حكراً على جماعة صغيرة)
، وهذه الروايات تقضي على المساحات الرمادية تماماً وتلغي ثقافة الحوار، المنغلق
معرفياً المغذَّى بهذه الروايات يرى المخالف كـ "عدو لله" يجب محاربته
أو مقاطعته، وليس كإنسان يملك وجهة نظر تحتمل الصواب والخطأ، مما يمنع أي تلاقٍ
فكري أو مراجعة ذاتية.
5. إشغال
العقل بالخرافات والشكليات على حساب المقاصد الروايات الكاذبة غالباً ما تركز على
الغرائب، الخوارق غير المنطقية، والتفاصيل الهامشية الشديدة الصرامة (مثل كيفية
الدخول والخروج، أو العقوبات الأسطورية لذنوب صغيرة، أو المكافآت الضخمة لأعمال
شكلية) ، وهذه تغرق العقل في تفاصيل قشرية مجهدة نفسياً، ويتحول الدين عنده إلى
حقل ألغام من المحظورات. هذا الإرهاق الذهني يجعل الفرد غير قادر -وليس لديه
الطاقة- للنظر إلى المقاصد الكبرى للدين كـ (العدل، الحرية، عمارة الأرض،
والتفكر)، فيظل سجين القشور خوفاً من العقاب.
النتيجة
الحتمية: "الحلقة المفرغة" ، يتشكل هنا تحالف مرعب: الانغلاق المعرفي
يجعل الإنسان يبحث عن الروايات السهلة والقطعية (حتى لو كانت كاذبة) ليريح عقله، والروايات
الكاذبة بدورها تزيد من انغلاقه وتعطيه المبرر المقدس ليستمر في جموده.
لذلك،
فإن أولى خطوات محاربة الانغلاق المعرفي في الفضاء الديني لا تبدأ بنقد الإيمان
نفسه، بل بـ "غربلة الموروث الشفوي والتاريخي والروائي"، وتفعيل مناهج
النقد العلمي الدقيق (مثل علم الجرح والتعديل وعرض الروايات على محكم القرآن
والعقل) لتخليص عقول الناس من أوهام صُنعت في عصور غابرة وتُستهلك اليوم لتعطيل
المستقبل.
التحديات التي
تواجه مكافحة الإغلاق المعرفي: من أبرز التحديات التي تواجه مكافحة الإغلاق المعرفي،
والتي يجب معالجتها بشكل جاد، نجد:
1.
النظام التعليمي
الذي يركز على الاختبارات والمعرفة النظرية، ويهمل التعلم العملي والتجريبي
والتفكير الإبداعي.
2.
عدم الوعي
بأهمية التعلم المستمر والتحديث المعرفي والمهاري، وعدم التحفيز على الاستمرار في
تطوير المهارات والمعرفة.
3.
التحديات
الاجتماعية والاقتصادية التي يواجهها الفرد والمجتمع، والتي قد تؤثر على قدرتهم
على التعلم والتطور.
4.
الثقافة العامة
التي تعزز التمسك بالتقاليد والثقافة الوطنية وعدم التفاعل مع الثقافات الأخرى
5.
الانفصال عن
المجتمعات والأصدقاء والعائلة والتركيز على الحياة الافتراضية عبر وسائل التواصل
الاجتماعي.
التغلب على
الإغلاق المعرفي.
1. يمكن
التغلب على الإغلاق المعرفي بعدة طرق، من بينها.
2. القراءة
والتعلم والتعرف على آراء وجهات النظر المختلفة.
3. الحوار
والتواصل مع التحلي بالاهتمام بالتنوع والتعدد في الثقافات والمعتقدات والخلفيات
الاجتماعية.
4. تجربة
تجارب جديدة ومختلفة عن المعتاد والرحلات والسفر لاكتشاف ثقافات جديدة
5. الحفاظ
على التفكير المنفتح والنظر إلى الأشياء من وجهة نظر مختلفة
6. الاعتراف
بأن الخطأ والتعلم منه جزء طبيعي من العملية التعليمية والتنمية الذاتية
7. الانضمام
إلى مجموعات مختلفة والتفاعل مع أفراد من مختلف الأعمار والخلفيات والثقافات
8. تطوير
القدرة على التعاون والتفاعل مع الآخرين وتقبل الآراء المختلفة.
9. دور
التعليم في تفادي الإغلاق المعرفي: يمكن
للتعليم أن يلعب دورًا هامًا في تفادي الإغلاق المعرفي، وذلك من خلال عزيز
الحوار والتواصل الفعال بين الطلاب والمعلمين وتشجيعهم على النقاش والتفكير
المنفتح.
10. تحفيز
الطلاب على البحث والاستكشاف وتعلم التعاطف مع الآخرين وتبني القيم الإيجابية.
11. تشجيع التعلم
على مدار الحياة وتطوير مهارات التعلم الذاتي والاستمرار في تطوير المعرفة
والمهارات
12. تعزيز
الوعي بالتنوع الثقافي والاحترام المتبادل والتسامح الديني والثقافي.
وبالتالي، يمكن القول إن الإغلاق المعرفي يعتبر من
الظواهر الخطيرة التي تؤثر على التنمية الفردية والجماعية، ويجب تفاديه بكل السبل
الممكنة وتشجيع النمو الفكري والمعرفي والثقافي للأفراد والمجتمعات، فالفرد يعمل
ويتصرف تبعا لأفكاره، وأعماله موجهه بفكره واعتقاداته وتوقعاته، ومن ثم يتوقف
نجاحه على مدى انفتاحه أو انغلاقه العقلي، ويمكن أن يؤثر هذا الانفتاح أو الانغلاق
في تفكيره (البحيري، ۱۹۸۹، ٢٣٦).
بعض النظريات
التي فرست الانغلاق المعرفي
اولاً: نظرية
الصراع الواقعي بين الجماعات Intergroup Realistic Conflict
ترى أن كل جماعة لها مصالحها التي قد تتناقض مع مصالح
الجماعات الأخرى، فكل جماعة تنظر إلى الأخرى على أنها تشكل تهديداً لها في تحقيق
أهدافها ومصالحها وعلى ذلك تنظر كل منهما للأخرى بوصفها مصدراً للتهديد، وذلك
يستثير تغيرين داخل كل جماعة، التغير الأول يتضمن عداء متزايداً تجاه الجماعة
الخارجية، والتغير الثاني يتضمن تعاظم الولاء للجماعة الداخلية والتآزر بين أعضائها،
ويسفر ذلك عن أن كل جماعة تضع الأخرى على مسافة منها، باعتبارها حائلاً دون إنجاز
مصالحها، وبالتالي ظهور التعصب تجاه بعضها البعض (مصباح ، 2017 : 8).
ثلنياً: نظرية
الحرمان النسبي Relative
Deprivation
ونعني بنظرية الحرمان النسبي: التعارض بين توقعات الأفراد
عن الأشياء، وشريط الحياة التي يعتقدون أنهم يستحقونها، وبين قدرات بيئتهم
الاجتماعية، أو هي التفاوت النسبي بين التوقع المشروع والواقع الذي يؤدي إلى سيطرة
الموقف الإحباطي على عدد كبير من الأفراد في المجتمع، وهو موقف يواجهون فيه عوائق
مادية أو نفسية تحول دون حصولهم على قيم معينة واحتفاظهم بها، مع وعيهم بالقوى
الكامنة خلف التدخل والإعاقة، الأمر الذي يدفعهم إلى اللجوء إلى العنف لتجاوز هذا
الموقف، وهكذا تبرز النظرية كيف تتفاعل الأوضاع الاجتماعية مع العوامل النفسية في
نشأة التعصب (الجزار، 2005 : 55).
ثالثاً: نظرية التعلم الاجتماعي: Social Learning
وهو المنحى الذي يذهب إليه والترز Walters وباندورا Bandura وغيرهما ممن
يرون أن التعلم يحدث من خلال نموذج اجتماعي، ومن خلال المحاكاة أو التعلم من خلال
الخبرة، وهو يتم من خلال تدعيم ذاتي بدلا من التدعيم الخارجي، فالأطفال الذين
يتوحدون بالراشدين يكونوا عرضه لاستدماج أشكال التعصب التي توجد لدى الراشدين خاصة
الوالدين والمدرسين، لأن ذلك يمثل بالنسبة لهم دعماً للأشكال المرغوبة من السلوك،
ويميل الأطفال - دون تدعيم خارجي - إلى اكتساب أشكال التعصب السائدة في بيئتهم
الاجتماعية من خلال النماذج ذات التأثير الفعال(مصباح ، 2017 : 9).
رابعاً: نظرية التشريط الكلاسيكي والتشريط الفعال Classical
Operant Conditioning
نجد أن كليهما له دور في اكتساب الاتجاهات العصبية من
خلال عمليات الترابط والتدعيم المختلفة، فالشخص يكافئ أو يعاقب لاعتناقه اتجاهاً
معيناً، فتوقع الشخص للمكافأة إذا ما أصدر سلوكاً يعكس اتجاهاً تؤيده الجماعة التي
ينتمي إليها نحو جماعة أخرى يؤدي به إلى تكرار إصداره ولا سيما أنه يلقى قبول
الجماعة، كما أن توقعه للعقاب إذا ما أصدر سلوكاً يتنافى مع ما تعتنقه جماعته يؤدي
به إلى تجنب إصدار هذا السلوك، وبتكرار حدوث هذه العمليات يتعلم الشخص جيداً كيف
يستجيب الاستجابة التي تحقق له المكافأة وتبعده عن العقاب، ويحصل من خلال ذلك على
قبول الجماعة التي ينتمي إليها، فيتم اكتساب التعصب (عبد الله ، 1997 :129 - 130).
خامساً : نظرية الإحباط - العدوان كبش الفداء (Frustration -
Aggression (Scapegoat
ترى هذه النظرية أن التعصب يحدث نتيجة لما يعانيه الفرد
من إحباطات مختلفة فالمجتمع مليء بالمواقف المحبطة، أي المواقف التي يوجد فيها ما
يعوق ويحول دون إشباع الفرد لحاجاته وأهدافه وتحقيق آماله، وغالباً ما يتولد عن
هذا الإحباط سلوك عدائي، إذ أن المواقف الإحباطية تعمل في كثير من الأحيان على
إثارة الدوافع العدوانية التي تبحث لنفسها عن مخرج أو طريقة للتعبير، ولا يستطيع
الفرد أن يوجه عدوانه مباشرة نحو مصدر الإحباط؛ بسبب الخوف منه أو عدم وجوده في
متناوله، لذلك فإنه يحوله إلى أفراد آخرين أو جماعات أخرى خاصة الأقليات عن طريق
الإبدال أو الإزاحة. وهكذا يصبح الفرد الذي ينتمي إلى جماعة بمثابة كبش الفداء،
وهو هدف بديل يوجه إليه الأشخاص سلوكهم العدواني دون توقع العقاب (خضر، 2000 :213).
سادسا: نظرية
الشخصية التسلطية: Authoritarianism Personality Theory
وقد افترضت هذه النظرية عدداً من السمات والحاجات
والاستعدادات المعرفية والسلوكية ترتبك لتكون زملة أعراض عامة للشخصية، تحدد هذه
الأعراض القابلية ليس للتعصب فقط، ولكن إلى أنماط أوسع من الاعتقادات
والأيديولوجيات.ويتم النظر إلى تلك النظرية عموما باعتبارها تربط بين أجزاء ظاهرة
ذات أربعة مستويات متباينة، فالتنشئة الصارمة والعقابية تؤدي إلى صراع دائم داخل
الفرد وإلى ازدراء وعداء ضد سلطة الوالدين، وباتساع موقفه من السلطة بصورة عامة
يتم كبت وإزاحة الخوف، والحاجة إلى الاستسلام للسلطة، تظهر الدينامية النفسية على
السطح فيشكل أعراض من تسع سمات متلازمة الظهور، وهذه السمات هي التي تكون الشخصية
التسلطية، وتنعكس هذه السمات في صورة معتقدات اجتماعية واتجاهات وسلوكيات تلاحظ
غالباً في المعتقدات المضادة للديمقراطية، وهذه السمات التسع هي التقليدية،
والعدوان التسلطي، والخضوع التسلطي، ومعارضة التأمل الذاتي، والتطهير والأفكار
النمطية، والقوة والخشونة، والتدميرية والكلبية، والإسقاط ، والجنس (جون دکت، 2000
: 296).
الخلاصة
يُعد الانغلاق
المعرفي سجنًا فكريًا واختياريًا يجعل الإنسان يكتفي بما يملك من قناعات ويتحصن
خلفها هربًا من الغموض وبحثًا عن حلول حاسمة وجاهزة، وتتعدد أسبابه ما بين غياب
الوعي، والخوف من التجديد، والتربية الصارمة، إضافة إلى الخلط بين ثبات النصوص
الدينية ومرونة الفهم البشري لها، فضلاً عن الاعتماد على روايات واهية تُغذي فكر
المؤامرة وتُعطل لغة العقل والتدبر؛ مما يؤدي بالمنغلق إلى العزلة ومقاومة التغيير
ليعيش عالمًا محكومًا بثنائية الأبيض والأسود.
ولتحطيم هذه
القيود والتخلص من هذا الجمود، يتطلب الأمر تبني حزمة من الحلول العملية أبرزها:
·
تفعيل القراءة
والتعلم المستمر، بالانفتاح
على آراء وثقافات متنوعة ومختلفة.
·
إحياء فريضة
التدبر والتفكر، والتفريق
الواعي بين قدسية الدين الإلهي وقصور الممارسات البشرية.
·
تطوير مهارات
الحوار والتواصل الفعّال ، وقبول الاختلاف باعتباره أصلاً كونيًا لا غنى عنه.
·
تعزيز دور
التعليم الحديث، بتشجيع
الطلاب على البحث والاستكشاف، وبناء التفكير النقدي والإبداعي بدلاً من التلقين.
·
غربلة الموروثات
التاريخية والروائية، وعرضها على محكم العقل لفرز الأوهام وتطهير الفكر.

إرسال تعليق