سوسيولوجيا
الجمود: كيف تعيق البنى القبلية ولادة الدولة المدنية
كاتب المقال
الأستاذ حسين الحلو
تـوطئـــة
بينما تهرع المجتمعات الإنسانية نحو آفاق
الحداثة الرقمية وما بعد المدنية، لا يزال الريف العراقي يراوح مكانه، محبوساً
داخل شرنقة زمنية راكدة ترفض الانعتاق من إرث الماضي، إن الإشكالية
اليوم لا تكمن في فقر الأرض أو شحّ الموارد، بل في التكلس الفكري الذي
أصاب البنية الاجتماعية للريف العراقي، حيث استحال العرف القبلي إلى دينٍ
موازٍ يبتلع سلطة الدولة ويقيد إرادة الفرد، لقد تحول الريف من وحدة إنتاجية
يُفترض بها رفد الحضارة الحديثة بالمنتجات الزراعية، إلى حاضنة كبرى للقيم
السكونية التي تقدس الولاء للدم على حساب الكفاءة، وتمنح 'المشيخة' تفويضاً
مطلقاً لمصادرة المستقبل، في هذا المقال، نُشرّح بنية هذا التخلف الهيكلي،
لنفهم كيف تحولت القرية العراقية من منبع للأصالة والإنتاج إلى معقل يصدّ رياح التغيير، ويُصدّر للمدينة
ملامح 'الترييف' القسري الذي شوه وجه التمدن ، ان الظروف التي مرة بها العراق بعد
عام 2003 والى الان كفيلة في تكوين هذه الإشكالية اذ ان الحكومة العراقية دأبت على
اهمال الريف وساهمت في تخلفه من خلال الفساد الحكومي
الذي له دوراً محورياً في تخريب البنية التحتية والاجتماعية للريف العراقي، حيث
تحول من "عامل إهمال" إلى "أداة هدم" منظمة من خلال ، نهب المخصصات الزراعية وتدمير
الإنتاج و سرقة القروض الزراعية التي تم
الاستيلاء على مليارات الدنانير المخصصة كقروض للفلاحين عبر "مشاريع وهمية"
(مثل محطات تربية الأبقار التي لا تزيد عن هيكل حديدي)، وتجريف الأراضي
و"السمسرة العقارية" تحويل صنف الأراضي بتواطؤ مسؤولين، تم تجريف
آلاف الدونمات من البساتين والمساحات الخضراء لتحويلها إلى أراضٍ سكنية (عشوائيات)
للتربح السريع منها بسبب الازمة السكن، مما أفقد الريف هويته الإنتاجية واعتماد على
الاستيراد من الدول المجاورة وبهذا يتحول الريف العراقي الى مستهلك اكثر مما هو
منتج مع اغراقه بالتخلف والبداوة والعادات الضارة والممارسات الخاطئة التي تساهمت
في غيبوبة فكرية حطت على هذا المجتمع .
قامت الحكومة بتعزيز "الإقطاع
الجديد" (سلطة العشيرة على حساب الدولة) ، رشوة الزعامات التقليدية، استخدمت أحزاب السلطة المال العام
لشراء ولاءات بعض شيوخ العشائر، مما حولهم من "حكماء محليين" إلى
"شركاء في الفساد" يحمون الفاسدين من سطوة القانون ، وبالتالي أدى الى
هجرة قسرية للشباب بسبب انعدام الخدمات والعدالة
في توزيع الموارد إلى "نزوح قيمي ومادي"، حيث فقد الريف كفاءاته الشابة
التي اتجهت للمدن للعمل في مهن هامشية، مما تسبب بانهيار النسيج الاجتماعي الريفي
الذي كان قائماً على التعاون الزراعي ، يرى الدكتور خليل مصطفى عثمان استاذ
التاريخ العراقي الحديث و المعاصر، في مقال نشرة له في 4 يناير 2026
في صحيفة التأخي ( ليس ما يعانيه العراق اليوم أزمة سياسة عابرة، ولا خللًا
إداريًا يمكن إصلاحه بتغيير الحكومات أو الوجوه، بل هو أزمة أعمق تمسّ بنية
التفكير ذاتها، فالدول لا تفشل فقط حين تضعف مؤسساتها، بل حين يُشلّ العقل الذي
يديرها، ويُحاصر المجتمع داخل منظومات ذهنية مغلقة تعادي النقد وتخشى التغيير، لقد
تحوّل التخلف في العراق من حالة مؤقتة إلى نظام تفكير يعيد إنتاج نفسه، ويمنح الفشل
شرعية ثقافية واجتماعية، ويُلبسه أحيانًا لباس الهوية أو المظلومية أو الخصوصية ، من
أبرز ملامح الأزمة العراقية هي هيمنة عقل سياسي واجتماعي لا يفكر بقدر ما يكرر،
عقل يستحضر الماضي بدل تحليل الحاضر، ويبحث عن خلاص في الأمجاد القديمة لا في
الوقائع المعاصرة ، هذا العقل لا يرى في النقد ضرورة، بل تهديدًا، ولا يتعامل مع
الفشل بوصفه نتيجة سياسات خاطئة، بل بوصفه قدَرًا مفروضًا أو مؤامرة دائمة .
العشيرة، بوصفها إطارًا
اجتماعيًا تضامنيًا، ليست مشكلة بحد ذاتها. لكنها في الحالة العراقية تحولت في
كثير من الأحيان إلى سلطة موازية للدولة، تنافس القانون وتفرغه من مضمونه ، حين
تُقدَّم الأعراف العشائرية على القضاء، وتُحل النزاعات بالقوة أو “الفصل” بدل
العدالة، يصبح مفهوم المواطنة هشًا، وتتحول الدولة إلى كيان ضعيف أمام الولاءات
الأولية ).
ان تعامل الخطاب النقدي السوسيولوجي
(الاجتماعي) مع إشكالية "الريف" في العراق من زوايا فكرية وأكاديمية
متعددة، بعيداً عن التجريح الشخصي، وان شيوع حالة الإقطاع الفكري في المجتمع
الريفي بوصفه هيمنة الولاءات الضيقة (العشائرية) على العقلية الفردية بدل الانتماء
للمواطنة ، اضف الى التمذهب المكاني و انغلاق المجتمع الريفي على ذاته ورفضه للمدنية كنسق قيمي ، غياب
الحواضن المؤسساتية إشارة إلى ضعف دور المدارس والمراكز الثقافية في تغيير الوعي الجمعي ،
ومازال الاقتصاد الرعوي التقليدي يعتمد على وسائل إنتاج قديمة لا تساهم في التطور
الفكري أو المادي ،كالري السيحي مثلاً الذي يعتبر اسلوب ري تقليدي قديم، يعتمد على الجاذبية
الأرضية لنقل المياه عبر قنوات رئيسية وفرعية لتغمر سطح التربة أو تنساب فوقه ، وبالتالي يسبب هدراً كبيراً
في المياه ، بدلاً من تقنية التقطير المستخدمة في الكثير من دول العالم ، علماً ان
نظام التقطير يستخدم على نطاق شخصي وضيق جداً .
ان وجود التراتبية الهرمية الصارمة اي سلطة المشيخة أو
"الرأس" التي تلغي استقلالية الفرد ، اضف الى تقديس الموروث المعيق والتمسك
بأعراف تتصادم مع حقوق الإنسان أو مدنية الدولة (مثل قضايا "النهوة" أو
"الفصلية") ، مما تسبب حالة من الرفض للتغيير والميل إلى إبقاء الحال
على ما هو عليه ، تقديس المواريث والتقاليد عند الريفين (خصوصاً في مناطق الوسط
والجنوب) ليس مجرد احترام للماضي، بل هو "قانون غير مكتوب" يحكم حياة الفرد والمجتمع، وغالباً ما
تكون سلطة "العرف" أقوى من أي سلطة أخرى ، اضف الى ذلك ترييف المدن أي انتقال قيم الريف إلى المدينة بدلاً من تمدن الريف ،
مما يؤدي ذلك الى تطبع المدن با اطباع الريف المتخلفة ، اذا حدثت منذ وقت قريب ظاهر (الدكة العشائرية) في
منطقة زيونه احدى اهم وارقى مناطق بغداد ، بدلا من اللجوء الى القضاء.
يغلب على الشخصية الريفية في العراق هي
شخصية "انتقالية" تقع بين قيم البداوة وقيم الحضارة، وتتسم بعدة خصائص تتمحور
حول الصراع بين البداوة والحضارة ، أي ازدواجية القيم ، يعيش الفرد الريفي صراعاً داخلياً، فهو يقدس قيم
البداوة (مثل الفروسية، الغزو، الاعتزاز بالأصل) لكنه يمارس في الوقت نفسه مهنة
الفلاحة التي تتطلب الاستقرار والخضوع أحياناً لسلطة الأرض أو الحاكم، وهذا يخلق
تناقضاً في سلوكه ، ان الفرد لا يرى نفسه ككيان مستقل، بل كجزء من
"عصبية" تمنحه الحماية والفخر، والولاء للعشيرة يتقدم عنده على الولاء
للدولة أو القانون ، زد على ذلك تقديس السلف والمواريث عند الريفي يميل إلى
"المحافظة" الشديدة، فهو يقدس ما ورثه عن أجداده من عادات وتقاليد
ويعتبر الخروج عنها انحرافاً، التغيير لديه بطيء وصعب لأنه يربط هويته بماضيه ،تتسم
الشخصية الريفية بمسحة من "القدرية" (الإيمان بأن كل شيء مقدر سلفاً)،
ويمتزج فيها الدين الشعبي بالخرافة وتقديس الأولياء، وهو ما يفسره الدكتور الوردي
كوسيلة للتكيف مع قسوة الطبيعة وظلم السلاطين ، يميل الريفي العراقي إلى
"المراجل" والأهازيج ، يعوض عن رتابة العمل الزراعي بالاعتزاز بمظاهر
القوة والشجاعة (المراجل) التي تظهر بوضوح في "الهوسات" والأهازيج التي
تثير الحماس الجمعي ، ويعاني الريف
العراقي من قطيعة معرفية مع الحداثة، حيث لا يزال العقل الرعوي يحكم
مسارات السلوك اليومي ، تتجلى أزمة الريف في استنساخ الولاءات التقليدية التي
تعمل كبديل عن مؤسسات الدولة، مما يعزز حالة الاستلاب الثقافي يعيش المجتمع
الريفي حالة من الانغلاق السوسيولوجي الذي يحول دون نفاذ قيم التنوير
والوعي المدني إلى بنية العشيرة ، المشكلة ليست في الجغرافيا، بل في منظومة
القيم الموروثة التي تمنح الأولوية للجمع على حساب الفرد، وللماضي على حساب
المستقبل .
الخلاصة
لم يعد الريف
العراقي يعاني من "تخلف طبيعي"، بل من "تخلف مُصنّع" أنتجته مافيات
الفساد التي أفرغت القرية من سبل العيش الكريمة لصالح صفقات الفساد وخدمة اجنداتهم.
مفاهيم والحلول المقترحة
1) تثوير البنية التحتية الثقافية والمطالبة بتغيير المناهج والأنشطة
في الأرياف.
2) تحرير الإرادة الفردية والعمل على كسر طوق التبعية المطلقة للعرف
القبلي.
3) التنمية المستدامة فكرياً، لا
يكفي توفير الخدمات، بل يجب توفير "الوعي" بالحقوق والواجبات.
4) الاستثمار في الإنسان (الحل الثقافي) المدرسة كمركز إشعاع اذ تحويل
المدارس الريفية من غرف لفك الأمية إلى مراكز تدريب مهني وتثقيف مدني، وربط
المناهج بالوعي القانوني لكسر سلطة العرف ، تفكيك "العقل الرعوي": إطلاق برامج توعية تستهدف الشباب
لتعزيز قيمة "الفردية" والاستقلال عن القرار الجماعي العشائري في
القضايا الشخصية (الزواج، العمل، التعليم).
5) التمكين الاقتصادي دعم الزراعة المستدامة: تشجيع
الممارسات الزراعية الحديثة والمستدامة لزيادة الإنتاجية وتحسين دخل المزارعين ، تنمية
الصناعات الحرفية والتحويلية، دعم
إنشاء مشاريع صغيرة ومتوسطة في الأرياف تعتمد على الموارد المحلية وتوفر فرص عمل ،
تسهيل الحصول على التمويل من خلال توفير قروض ميسرة ودعم للمبادرات الاقتصادية
الصغيرة.
6) تعزيز البنية التحتية والخدمات وتحسين خدمات التعليم والصحة وضمان
وصول سكان الأرياف إلى مدارس ومراكز صحية جيدة ، تطوير البنية التحتية و توفير الطرق المعبدة، شبكات المياه
والكهرباء، وخدمات الاتصالات ، وتوفير مرافق ترفيهية وثقافية من خلال إنشاء حدائق، مكتبات، ومراكز
مجتمعية.
7) بناء القدرات والمشاركة المجتمعية ، تدريب وتأهيل الشباب والمرأة و توفير برامج تدريبية لتمكينهم من
المشاركة في سوق العمل والمجتمع ، تعزيز دور المنظمات غير الحكومية والمجتمع
المدني، دعم
جهودها في التنمية المجتمعية والدفاع عن حقوق سكان الأرياف ، تشجيع المشاركة في
صنع القرار: إشراك
سكان الأرياف في التخطيط والتنفيذ للمشاريع التي تؤثر على حياتهم.
8) دعم الهوية الثقافية والتراث الريفي ، الحفاظ على التقاليد والحرف اليدوية، دعم المنتجات المحلية وتسويقها ، تنظيم
الفعاليات الثقافية والتراثية، تعزيز
الشعور بالفخر بالهوية الريفية.
التغيير
في المناطق الريفية يتطلب جهودًا شاملة تركز على تمكين الإنسان، دعم الاقتصاد
المحلي، تحسين الخدمات، وتعزيز المشاركة المجتمعية مع الحفاظ على الهوية الثقافية.

إرسال تعليق